الشيخ محمد رشيد رضا
43
الوحي المحمدي
وتواريخ الأمم وعلوم التشريع والفلسفة والأدب ، حتى إن مكة عاصمة بلادهم وقاعدة دينهم ومثوى كبرائهم ورؤسائهم ، ومثابة الشعوب والقبائل للحج والتجارة فيها والمفاخرة بالفصاحة والبلاغة في أسواقها التابعة لها لم يكن يوجد فيها مدرسة ولا كتاب مدون قط ، فما جاء به من الدين التام الكامل ، والشرع العام العادل ، لا يمكن أن يكون مكتسبا ، ولا أن يكون مستنبطا بعقله وفكره كما بيناه من قبل ، وسندفع ما يرد من الشبهة عليه بعد ( في الفصل الثالث ) . ويرى تجاه هذا أن موسى ( ع . م ) أعظم أولئك الأنبياء في علمه وعمله ، وفي شريعته وهدايته قد نشأ في أعظم بيوت الملك لأعظم شعب في الأرض وأرقاه تشريعا وعلما وحكمة وفنا وصناعة ، وهو بيت فرعون مصر ، ورأى قومه في حكم هذا الملك القوى القاهر مستعبدين مستذلين ، تذبّح أبناؤهم وتستحيي نساؤهم ، تمهيدا لإبادتهم ومحوهم من الأرض ، ثم إنه مكث بضع سنين عند حمية في مدين وكان نبيا - أو كاهنا كما يقولون - فمن ثم يرى منكرو الوحي أن ما جاء به موسى من الشريعة الخاصة بشعبه ليس بكثير على رجل كبير العقل عظيم الهمة ، ناشئ في بيت الملك والتشريع والحكمة إلخ . ثم ظهر في أوائل القرن الميلادي أنّ شريعة التوراة موافقة في أكثر أحكامها لشريعة حمورابي العربي ملك الكلدان الذي كان قبل موسى معاصرا لإبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد قال الذين عثروا على هذه الشريعة من علماء الألمان في حفائر العراق أنه قد تبين أن شريعة موسى مستمدة منها لا وحى من اللّه تعالى « 1 » ، وأقل ما يقوله مستقل الفكر في ذلك : إنه إن لم تكن التوراة مستمدة منها فلا تعد أحق منها بأن تكون وحيا من اللّه تعالى ، ولم ينقل أن حمورابي ادعى أن شريعته وحى من اللّه تعالى . ثم يرى الناظر أن سائر أنبياء العهد القديم كانوا تابعين للتوراة متعبدين بها ، وأنهم كانوا يتدارسون تفسيرها في مدارس خاصة بهم وبأبنائهم مع علوم أخرى ، فلا يصح أن يذكر أحد منهم مع محمّد ذكر موازنة ومفاضلة ، ويرى أيضا أن يوحنا المعمدان الذي شهد المسيح بتفضيله عليهم كلهم لم يأت بشرع ولا بنبأ غيبى - بل أن عيسى عليه السلام وهو أعظمهم قدرا ، وأعلاهم ذكرا ، وأجلاهم أثرا ، لم يأت بشريعة جديدة ، بل كان تابعا لشريعة التوراة مع نسخ قليل من أحكامها ، وإصلاح روحي وأدبى لجمود اليهود المادي على ظواهر ألفاظها ، فأمكن لجاحدى الوحي أن يقولوا إنه لا يكثر على رجل مثله زكى الفطرة ، ذكى
--> ( 1 ) قد شرحنا هذه المسألة في المجلد الثالث من المنار ، وذكرنا خلاصتها في تفسير الآية 30 من سورة براءة ( التوبة ) وهي التاسعة فتراجع في المنار سنة 1321 هجرية ، أو الصفحة 348 من الجزء العاشر من التفسير .